الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
347
مختصر الامثل
فلابد أن تتميز الصفوف ، وتتم عملية الفرز بين الطيب الطاهر ، والخبيث الرجس ، وهذا قانون عام وسنّة إلهيّة ، فليس كل من يدعي الإيمان ، ويجد مكاناً في صفوف المسلمين يترك لشأنه ، بل ستبلى سرائره وتنكشف حقيقته في الآخرة بعد الاختبارات الإلهية المتتابعة له . وهنا يمكن أن يطرح سؤال وهو : إذا كان اللَّه عالماً بسريرة كل إنسان وأسراره فلماذا لا يخبر بها الناس - عن طريق العلم بالغيب - ويعرفهم بالمؤمن والمنافق ؟ إنّ المقطع الثاني من الآية وهو قوله : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ » . يجيب على هذا السؤال ، أي إنّ اللَّه سبحانه لن يوقفكم على الأسرار ، لأنّ الوقوف على الأسرار لا يحلّ مشكلة ، بل سيؤدي إلى الهرج والمرج وإلى تمزق العلاقات الاجتماعية . والأهم من كل ذلك هو أنّه لابد أن تتضح قيمة الأشخاص من خلال المواقف العملية والسلوكية ، ومسألة الاختبار الإلهي لا تعني سوى هذا الأمر . ثم إنّ اللَّه سبحانه يستثني الأنبياء من هذا الحكم إذ يقول : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ » . أي إنّه يختار في كل عصر من بين أنبيائه من يطلعهم على شيء من تلك الغيوب ويوقفهم على بعض الأسرار بحكم احتياج القيادة الرسالية إلى ذلك . إنّ المراد من المشيئة الإلهيّة هو « الإرادة المقرونة بالحكمة » أي إنّ اللَّه سبحانه يطلع على الغيب كل من يراه صالحاً لذلك ، وتقتضي حكمته سبحانه ذلك . ثم أنهّ تعالى يذكرهم - في ختام الآية - أن يجتهدوا لينجحوا في هذا الامتحان ويخرجوا مرفوعي الرؤوس من هذا الاختبار العظيم ، إذ يقول : « فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ » . وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) طوق الأسر الثقيل : تبين الآية الحاضرة مصير البخلاء في يوم القيامة ، أولئك الذين يبذلون غاية الجهد في جمع الثروة ثم يمتنعون عن الإنفاق في سبيل اللَّه ، ولصالح عباده . والآية هذه وإن لم تتعرض صراحة لذكر الزكاة وغيرها من الحقوق والفرائض المالية ، إلّاأنّ الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام خصصت هذه الآية وما وعد به فيها من الوعيد